الشيخ السبحاني

59

سيد المرسلين

حقا انه لأمر يكشف عن مدى القسوة التي كان عليها قلوب تلك الجماعة . إنها قسوة تغشى كل عواطف المرء فلا يعود يسمع معها نداء الضمير ، ولا يحسّ معها بوخز الوجدان ، انه لا يعود يسمع معها حتى صراخ بنته الجميلة البريئة ، واستغاثاتها المؤلمة وهي ترى بأم عينيها حفيرتها ، وتحس بيدي والدها القاسي ، وهو يدفعها إلى تلك الحفرة ويدفنها حية ! إنها قسوة تكشف عن أسوأ وأحطّ درجات الانحطاط الخلقي ، والتقهقر الإنساني . ( 1 ) وبنو تميم هي أول قبيلة أقدمت على هذه الجريمة النكراء ، وكان السبب أن « بني تميم » امتنعوا من دفع ضريبة الإتاوة التي كانت عليهم إلى الملك ، فجرّد إليهم النعمان بن المنذر حاكم العراق آنذاك جيشا كبيرا لضرب هذا التمرد ، وانتصر على « بني تميم » في المال وغنم منهم الغنائم وسبى منهم الفتيات والنساء ، فوفدت وفود « بني تميم » على النعمان بن المنذر وكلّموه في الذراري والنساء ، فحكم النعمان بان يجعل الخيار في ذلك إلى النساء ، فأية امرأة اختارت زوجها ردّت عليه ، فاختلفن في الخيار ، فاختار بعضهنّ العودة إلى الأهل والآباء ، واختارت بنت لقيس بن عاصم سابيها على زوجها مما أثار هذا الموقف والاختيار غيظ والدها العجوز « قيس بن عاصم » فنذر من ذلك الحين أن يدس كل بنت تولد له . وهكذا سنّ لقومه الوأد ، واخذت بقية القبائل بهذه العادة البغيضة الوحشية إرضاء لغيرتهم وظلّوا يمارسونها أعواما متمادية « 1 » . وإليك واحدة من القصص المأساوية في هذا المجال : ( 2 ) قيل لما وفد « قيس بن عاصم » على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله سأله بعض الأنصار عما يتحدث به في الموؤدات ، فأخبر انه ما ولدت له بنت إلّا وأدها ، قال : كنت أخاف العار وما رحمت منهن إلّا بنيّة كانت ولدتها أمها وأنا في سفر ، فدفعتها إلى أخواتها ، وقدمت أنا من سفري فسألتها عن الحمل ، فأخبرت أنها

--> ( 1 ) بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب : ج 3 ص 42 و 43 .